← العودة إلى المقالات
نقد ادبي

قراءة نقدية في رواية ألماس ونساء

3-3-2023·12 دقيقة
ألماس ونساء

بين الواقع والتخييل قد تكمن الحقيقة


ماذا لو أخذك عمل أدبي في نزهة من الخيال... نحو واقع مضى، وأجبرك على الاشتياق لغموض مر في ذهنك بالصدفة دون أن تعي ذلك، وتحدى انتمائك الخجول لوعي جمعي سيسمح لنفسه بالتهاوي أمام يقظة خاصة، فغرزك في فضاءات سردية تنهش قدرتك على اجتثاث المقارنة في الواقع الذي خلقت فيه مستغربا مما قد حدث! مستقرئا لما سيحدث، مدركًا لما يحدث،مأخوذًا بتوثيق  خاص يعيد ترتيب التاريخ الذي عرفناه واتضح لدينا أننا لم نكن نعرفه بوعي حاضر كما يجب. عشق لفواصل زمنية عاشها أسلافنا، اخترق حاضرنا المغشوش وعاد بصفاء لرسم تاريخ أكثر وضوحا وقسوة، يفسر الواقع المعاش  بحروبه ومآسيه وخذلانه، باضطراباته وتناقضاته و ومشكلاته و 

  تفاقماته الآتية وهو يجتر تفاصيله بأسلوب شيق استثنائي خالص الأصالة. 

وتشرق صورة المرأة السورية  والعربية التي شوهها احتكار زمني قاصر عقيم أخفى عن كتبنا المدرسية وتاريخنا المحشو بغير الحقيقة،  منظورًا  مختلفا لنساء رائدات  في حقبة منسية مدانة  بالتقوقع، مثل مرينا مراش و ماري عجمي و عفيفة صعب ونازك العابد 

إنها رواية واحدة تنتصب بتفرد و بدعوة خاصة للغاية تطال كل قارىءعلى حدة، و كأنها كتبت لأجله فقط.

لكنها ليست الرواية الوحيدة التي ستخلد إسم الروائية السورية الباذخة لينا هويان الحسن، ف (ألماس ونساء) هي من أعمالها الأدبية الفريدة حضورًا  وتمايزًا و تجديدًا،و عن جدارة واستحقاق و رشاقة و إبهار ومقدرة و  هي إثراء خاص لمكتبتنا الروائية العربية، لأنها نمذجة متقنة من الصعب استنساخها و بتر هالتها.

 

وأنجرف نحو ذاتي بعد  قراءة الرواية لعدة مرات فأسأل نفسي(ما الفرق بين رواية كتبت في زمن مرحلي ما وبين الرواية العظيمة بحق؟! الرواية التي ستدخل التاريخ حافية القدمين بضجيج  يليق بالأجرام والنجوم و النيازك.يليق بمنمنات الآلهة الميثيولوجية القابعة في الأساطير. لتتحداك أنت!! 



الرواية الخالدة ببساطة.. لن تعبر من خلالك بسهولة، إنها ماكثة ما شاءت....لا تكترث بالزمن ولا لزاجته وتفّلّته، إنها مشروع ثقافي نفسي صمم لك و  لغيرك لتبدأ رحلة التغيير. 

وكما يقول الناقد االمغربي عبد الفتاح كيليطو
عندما تتغير القراءة تتغير الكتابة

فهلا قرأنا هذا الإبداع بمنظور التجديد المعرفي على مستوى الموضوعة و الأطروحة و مفهوم الحبكة العنكبوتية المتراكبة؟! . 

الجهد المعرفي البحثي الرافد للعمل الروائي

تدهشنا لينا بموسوعة انتقائية خارجة عن تفردها   ببصمة روائية خاصة لا ينافسها فيه أحد، تزداد توحشًا  و جمالًا كلما أمعنَت ذاتُك في التهام الرواية مجددًا، فقراءة واحدة لا تفي رونق هذا العمل و اكتماله ، و كأنك تتمنى أن تعبر بخجل لصفحة ملتوية ثرة أخرى وتبقى فيها للأبد لتعايش شخصياتها الغريبة الساحرة التي تقض مضجعك وتستولي على كيانك وتجبرك على خوض ازدواجية المعايير المتقلبة في صراع الذات مع انعاكسها ثم مع الآخر المختلف كما تقول المؤلفة عن شخصياتها (الغرباء الجميلون) 

أنساق ثقافية مضمرة وقصدية

كل شخصية لها رمز ثقافي دلالي، و توظيف درامي

 ذكي،ينتمي لتمحور سياقي يؤهل القارىء للموسوعية  التاريخية المكتظة بالتفاصيل و الحقائق بدون هيمنة الأسلوب الخبري الممل المجتر الذي عهدناه على الروايات التاريخية التي غدت قوالبًا مكررة، وهذا الكم المتنوع من الشخصيات الفريدة بذاكرتها السياسية والنفسية و الوجدانية تتعلق مع التعاقب المتشظي للأحداث في النسيج الروائي الذي يمتد في صعود وهبوط ضمن براعة خاصة يصعب تحديد سقف توقعاتها ، فالعوالم التي تحتوي ميلاد الشخصيات و تلاشيها لا يمكن فصل الحقيقة فيها عن الخيال إلا بصعوبة بالغة إنها واقعية مختلفة عما عهدناه، تم طهوها على مهل و بتمكن ساحر لا يوحي إلا بالحقيقة. 

الحبكة العنكبوتية روائيا (تجديد و ابتكار ) 

حبكة خارجة عن موضوعتها  لكنها متلبسة بها فكل  هذه الرسائل الخفية التي تمس الوعي  و تؤثث لمناخ افتراضي متغير الأهداف، صمم  لدراسة نموذج الثورة الإنسانية في الذاكرة المهمشة ،حبكة تبدأ بمركز حكائي كمصدر(حكاية الماسة الزرقاء الغامضة كمعادل موضوعي لقيمة الذات المقدسة) .ثم يتناسل النسيج العنكبوتي بفرد للأحداث والشخصيات بشكل أفقي رغم ارتباطها بالمركز الحكائي، شخصيات تتلاقى دون إرادتها ضمن ظرفية زمنية محكومة بالقدر (الهوياني) ، بالحب، بالغيرة، بالقدرة على النجاة،ثم الخيارات الخاطئة الممتزجة بالرغبة في التغيير، والتمرد على الأعراف و التقاليد والمجتمعات، وظروف الانتماء البديلة. وتمتد حول هذا  المركز بعينه هذه الأنساق المتواشجة حاملة القارىء معها، كما تنسج العنكبوت بيتها الشفيف انتهاء بالمركز وبداية به، بأناة و صبر في امتداد لا ينفصل بل يتصل بالدلالات وعمقها وتأويلاتها. 

اللغة سلاح مبتكر يهزم أمامه كل قارىء

لغة (ألماس و نساء) لغة ذكية تنسكب في  الأخاديد المرسومة بدقة خلف ملامح  متآلفة، ولا تستطيع إلا  أن تطاردك تلك اللغة الواثقة بأثرها الجارف و تتملكك دهشة من نوع  خاص، فالكاتبة لم تغفل إي تفصيل دقيق يخص النسيج الروائي، إنه الزمكان الغامض، إنه لعبتها التي لا يتقنها سواها...التفصيل الذي يطال وصفات الطعام، أسماء الأطعمة وأصولها، الأطباق و المشهيات ودلالاتها التاريخية ثم أشكال الأطباق و أدوات المائدة باختلاف أزمنة بزوغها ،و لا ننسى تدرج الموضة النسائية من الرأس للقدم، و مصطلحات الثقافة المعمارية المعجمية الدقيقة الموثقة لفن المعمار الدمشقي  المدهش وتأريخ أنماط الأقمشة الدمشقية وسيميائية زجها في السياقات التي تخدم تطور الشخصيات، ثم موسوعية هوية العمل الأدبي الذي يتنقل بين بلدان عدة فتتلون اللغة باختلاف مناطقية الحبكة الزمنية (فرنسا، البرازيل، لبنان، مصر، الأرجنتين، الهند، دول أفريقيا، كردستان..وسوريا بالطبع. إلخ) ، ويغدو تداول أسماء الصحف  والمجلات بمحتواها و  التدوين التاريخي للسفن التي ستغرق بلا عودة و التي ستبحر في الذاكرة ضمن اتكاء موظف وذكي لإغلاق المحاور المتعالقة الثانوية و رمزية توظيفها في العمل الروائي كسمة خاصة ل(ألماس ونساء). هذا الاتكاء يتضمن المقاهي التي ستزول للأبد والشوارع التي ستتغير ملامحها في الحروب الطاحنة حين  تبدأ بسفك الدماء و اغتصاب هوية المدن، لتنتهي بخلق أيديولوجيا بديلة تطال تعاقب الأجيال بطموحاتهم و أزماتهم و أحلامهم وانتماءاتهم السياسية. إنه توثيق  عنيد يتباهى بنفسه ولا يدرك ذلك، فينزوي القارىء أمام هزال استيعابه، ويجْبرُ على تقصيه بشغف . ولا سيما حين تتمادى اللغة في تحولها وتغيرها وتبدلها وهي تلاصق الماظ، الشخصية المركزية الحكائية، الهادئة الثائرة في تقلبهاونضجها وتبرعمها  وسقوطها التراجيدي حتى نهاية الجزء الأول تمهيدا للجزء الثاني بأبطاله وبطلاته الجدد، جيل الغربة والشتات والانتماء المزدوج. 



ليس من العبث ان تخوننا الذائقة أحيانًا فتصيبنا بالانحياز، فالروايات العظيمة تثير البلبلة والارتباك، تصيبنا بالحيرة، تهدم ثواباتنا فيغدو الحياد كذبة بلا مذاق، تطعننا من الخلف بحقد لذيذ وتغلق  هوامش الأسئلة الكبيرة لتفتح سواها. 

  (ألماس ونساء،) ومن سيبدأ بقراءتها الآن؟! 

#الكنانة
#النقد رؤية محلقة
#Kinana Eissa