قراءة نقدية في رواية بلاهبل المرشحة لجائزة البوكر العربية
فضاءات الذاكرة والتحولات الكبرى
يقول سيوران:
(إنه لمن شقاء المؤلف أن يتم فهمه) ويقول جون بوفري (نغترب حتى نبلغ ذواتنا)
وها نحن الآن امام عمل مميز للغاية صمم بمهارة سردية وروائية فائقة،و بادوات سردية ناضجة فنر السريالية و الرمزية ثم الواقعية الصادمة وبالطبع الغرائبية والعجائبية والواقعية السحرية، كي يطرح الأسئلة الكبيرة بإلحاح جمالي متمكن،فلسفة وجودية معاصرة أدخلتها الكاتبة لعوالم مصممة بدقة لتشرع كل النوافذ وتفتح كل الأبواب لهوية الكاتبة الثقافية المتجددة و أيديولوجيتها المتشابكة المتوالدة الموثقة للذاكرة الثقافية للملكة العربية السعودية ولا سيما المجتمع المكي في حقب زمنية متواترة لتتحدث عن أحداث وتحولات وإرهاصات هامة كانت سببًا في تغيير التاريخ،إنه عمل أدبي حابس للأنفاس ،قادر على إعادة ضبط الحواس وجدانيًا و تاريخيًا،صياغة جديدة لثيمات لصيقة بالواقع ، جميل كحقل ألغام يحررنا من رواسب المقروء الثاوي خلف وعينا،من رواسب الأحكام المسبقة، يقولب أسلوب التلقي ويوجه البوصلة الداخلية نحو هوية ثقافية باذخة مبدعة ضمن نمذجة جديدة لشخصيات فريدة تخترق التابوهات وتؤجج الخطوط الحمراء وتكسر النمط وتحتل جزءً من الذاكرة،شخصيات لا نسمح لأنفسنا بتصنيفها ضمن معاييرنا المؤسساتية شخصيات لا نسمح بانفسنا بتصنيفها رغم وجودها في وعينا الجمعي ،فتنتصر الحكائية و أدبية الأدب معًا لثيمات متشابكة لصيقة بالواقع ،بينما توثق لنا الأطروحة الروائية فلسفة جديدة من منظور الاعتلال النفسي المصاحب للانفصام، لكل ذات إنسانية مقموعة تبحث عن الحرية بمفهومها الخاص،بينما تبهرنا الكاتبة باتكائها على موسوعية كبيرة ظهرت في الحبكات الثانوية الهامشية لتؤجج المتخيل السردي لدى القارىء التي لا يغيب تبجيل الماضي الجميل عنها ، وفي أيديولوجيتها الطازجة الغنية بايقونات الفن المعاصر(كيث هارينج-بيكاسو –سلفادور دالي-)وموسوعة الثقافة والفن والسينما المصرية و المخزون الموسيقي السعودي ،إنه فض تشابك مثير للجدل بين الأفق القرائي المتوقع والأفق التاريخي الحاضر فنيًا، فمن خلال الاشتباك مع النص نفقد قدرتنا على الاصطدام دوغماتياً بمعرفتنا السابقة، بل نبدأ رحلة البحث عن فضاءات الشخصيات الإنسانية بمفردنا ضمن ازمات التاريخ الحديث و دلالاته،ثم سر عتبة العنوان المثيرة لشهية القراءة و العناوين المقطعية الرمزية والخارجة عن المألوف ،والخاتمة التي ظهرت فيها الكاتبة بخجل من خلف الظل من خلال رمزية الراوي المصاحب للسرد لجرعة إضافية من الدهشة..
1- فضاءات اللغة في رواية باهبل والانتاج الدلالي للنص
تنتج الرواية لغة خطاب سردية نمطية شيقة تتأرجح بين عين ثاقبة تلتقط المسكوت عنه واللامرئي وبين معالجة وعي جمعي تراكمي لا ينتقص من خصوصية التجربة وجماليتها بل يعطيها مظهرًا معاصرًا مواكبَا للآن،تتمركز الأطروحة الروائية كمبدأ،في رفع الوعي بأفكار توثيق بزوغ بذرة الارهاب السياسي (كما في حادثة حصار الحرم المكي الشريف) ، فلسفة الحب الصوفية والعشق العذري (حب ولد كفن لسكرية) ومعايير تشريع الوجود الإنساني الأنثوي المقموع من خلال شخصيات وحيوات نساء عائلة السردار، وأخلاقيات العرف المجتمعي الجائر وسطوة الأعراف والتقاليد البالية المضطربة على التكوين النفسي للشخصياات ثم التركيز على الخطر المحدق باستدامة التراث السعودي المعماري وجماليته من خلال ما ياتي على لسان (عباس ) من ذكره( لجريمة عمارة مكة)، ومن ثمة زج افكار الكاتبة و رؤيتها التخيلية الإبداعية وثقافتها ضمن أنساق ثقافية خفية تلتقطها عين تتركز فيه الموضوعات الرئيسية(الثيمات) في رصد المتغيرات السياسية والاجتماعية والجيوسياسية من منظور أيديولوجي ذاتي ينتقل من مونولوج نفسي لآخر، فإطار الفكرة في البحث عن إجابة ينطلق من العنوان المثير للجلبة ، وتخفي ببراعة صوت المؤلفة الحاضر عن بعد حين تتغير أبعاد الراوي العليم (الكلي المعرفة ) إلى متكلم يناجي عمق الذات ومستويات الأنا في أوقات الصراع والتأزم لدى الشخصيات على اختلافها.
مثل حواريات عباس ونوري في مقطع باليه موت البجعة قصر النزهة، باليه البجعة ،،1995
ومقطع جدة اكسبرس 2008
او مناجات سكرية لذاتها كما في مقطع كريامتينا
بينما نجد أن الحوارباللهجة السعودية قد ضخ في النفس الحكائي معاصرة و حياة ودفقًا وجدانيًا مدروسًا زج المتلقي في المناخ الروائي المعاش و أجبره على خلق صلة باطنية معها كذاكرة قديمة تتجدد ،تخللته انسيابية مطلقة في وصف مشاهد موت الشخصيات على ايقاع متفاوت حكمه البناء الفني لكل شخصية على حدة،دفعت مستويات التلقي إلى جهد بحثي يربط :دلالة معجم اللهجة السعودية، كما ورد في النص:
المفردات الحكائية
روشن، رواشن، زنبيل القاضي، مخلوان، الدوش العطري من بساتين المدينة المنورة)، ارض الهارجة، جامة، جاعد الخروف، القنعة التركية، بلبوص، بقج، ❞ «مشدات بشَنَاشِن من بواخر تُركية تخسف البطن وتدوِّر الشقادف. ومُشنشنة بعيون تردّ العين اللي ما تصلِّي على النبي»، ❝، لخانق، مشانص، مقرطسين،❞ اللبلبة: الثرثرة - التَبْتَبَة: ترتيب الحكاية ونسج حبكتها (2) سبع سنابيك: سبع بواخر (3) تقصد أعضاء المرأة التناسلية مقابل الحمامة، رمز أعضاء الذكورة (4) تقصد امتلاء مؤخِّرتها (5) تقصد بالتسطيح الضحك المتناقل عبر الأسطح (6) تقصد القَدَر سيُخرس أي معارضة ❝ ماء الازيار، الميازيب، الرفد (سكو وشاي، رز)، برابخ العرق البارد، الكوازي،ريكة زفة، البازان، الدبش، السياسم، فنجرة، كيزان فضة، الصمرقع، دهالة، شبرت برجلك، طبينة، زناوة (قوة)، ❞ «ناقص على الشُخْنُق بُخْنُق وعلى الكلب صَرْمُوجَه! ❝، الصامل، مرزبتك، عندي ضيقة، الاغتسال بماء السدر المنقوع، حنين الفاغية،
الاتاريك المكية، صندوق السيسم، جعارين توايق، تدخلب بالكلام، المرأةالدبلي، لسلسة
أو مشاهد الحب المتخيلة بعذوبة شاعرية اللغة وانسكابها الوجداني في ذائقة التلقي كما ورد في النص مقطع الاتصال الحميمي بين عباس و هيلدا:
❞ ما إن مَسَّتْ أقدامهما أوَّلَ درجات السُلَّم حتى تحوَّل صوت خطواتهما على السُلَّم إلى هديرٍ عميق تحت الجِلْد، وكلما ارتقيا درجةً من ذلك السُلَّم تَعَمَّقَ الهديرُ ليصعد من قمم الثلج تحت أقدامهما ويحمل لأعلى وأعلى، وحين انغلق عليهما الباب كانا ❞ وسَقَطَ الزمن في الخارج.
بينما تظهر المشهدية السينمائية الحسية في قدرة الكاتبة على ضخ كم هائل من التفاصيل في مقاطع الحبكة الثانوية التي ارادتها الكاتبة بإصرار قد يبدو للبعض نوعا من الترهل الروائي الممل بينما كان دعما لبناء الشخصيات الرئيسية نفسيا وفيسيولوجيا و جسديا بكل خيباتها وانكساراتها واحلامها وإنسانيتها بعثراتها وذنوبها ومناخها المعيشي الموثق للذاكرة المجتمعية المكية الثقافية والحضارية وكما ورد في النص :
مثل تفاصيل السينما المنزلية وتأثيرها على نساء بيت السردار ومشاعرهن، ومثل مقطع موت الاسطتنبولي وتفصيل فطور نورية وعزاء الاسطتنبولي الخرافي وطريقة موته الأسطورية كبطل ملحمي مازال يسافر في الدهر في سيارته الفارهة كما ورد في مقطع مازيراتي بجِلْد جَمَل برتقالي محروق ❝ موت الاسطانبولي ،
فسيرورة الحكي تهتم بتقديم إطار تمثيلي وتصويري مجتث من الواقع من خلال رموز تيماتيكية (موضوعية ) كسيارة الاسطنابولي وسجائر نورية وماكينة خياطة حورية و ريحان سكرية وتسريحتها و افلام عباس ال ديفيدي.
2- افراز المناخ الروائي للشخوص النمنذجة الفردية
استطاعت المخيلة الإبداعية للكاتبة من تقليص حجم المسافة الفارقة بين المتخيل السردي والمجتزئ الواقعي فالشخصيات الرئيسية والثانوية على حد السواء ، شخصيات من قلب الواقع المعاش لدرجة الإدهاش لصيقة بالذاكرة، يهيء للمتلقي أنه على صلة باطنية بها أو كمعرفة قديمة، انه يتشارك معها ذاكرة خاصة، فاللغة التفصيلية التصويرية الواضحة و كلية معرفة الراوي العليم و شمولية رؤيته إ لى أن نصل للمقطع الأخير حين تتقمص الكاتبة مهمة الراوية المجتثة من واقع الشخصيات التي ابتكرتها ، ومن ثمة المقارنة الخفية بين التركيب المجتمعي لنماذج مجتمعية تتشارك الأفق ذاته والنظرة الذكورية المتطرفة للمجتمع البطرياركي،مثل مصطفى السردار الكبير الذي اعقبه ابنه سالم في وراثة ايديولوجيته،ومن ثمة شخصيات المجتمع النسائي المضطهد والمقموع والمحروم من ابسط حقوق الكرامة الانسانية من منظور نسوي معاصر وطازج.فنجد الانفصام الداخلي كتحدي في بناء الشخصية فنيا و نفسيًاولدينا البطل الأساسي بانفصامه الكبير( نوري /عباس)، الابداع في تكوين الشخصيات دراميا وعبقرية رسم الملامح النفسية فجاءت الرواية أصيلة ومتينة ومحكمة ضمن قولبة للمزاج العام للمتلقي،خلال مقاربات خاصة ترتبط بالعاطفة الانسانية وجدانيا و اخلاقيا في لحظات انحسار تغريب إحدى الشخصيات (كما في موتها أو فقدها او حزنها) أو تصاعد سواها دراميَا بما يثير ذروة الحبكة الرئيسة.
عباس: البطل الملحمي لهذه الرواية والذي يربط مقومات الرواية وأجزاءها ومقطعيتها وحبكاتها معًا،البطل التراجيدي الذي اقحمنا حدث انتحاره في بداية العمل الروائي في أسلبة مشوقة ليهرب فيما بعد نحو حياة مفخخة بالقهر و استلاب الحريات و الانكسارات والتنمر و الالم الجسدي،فينبثق (القرين نوري العاشق للفن وجنونه) ليساعده على النجاة والحياة وتغريبته الكبرى في عائلته الصغيرة التي زاد تأججها بسبب والده السردار و عمته نورية في البداية، ثم زوجته دالية في النهاية وكما ورد في النص:
مشكلته الأزلية هي الفتاق، ليس الفتق الجسدي فقط وإنما الفتق الوجودي في كل حلم ورغبة انتابته، الفتق الذي تمثَل الآن في ذلك الفيلم. ❝
❞ مرحلة باهَبَل وبعدين الزيبق وبعدين العمدة، ومتوقعين مني مرحلة التعرية ❞ «لا تنظروا لي بعين متشكّكة، أنا أندروجين، يعني لا تُخجلني الأنثى فيَّ. لكن ريِّحوا بالكم ماني هومو. ولا ضد أي شيء، لكن وببساطة خِلْقَة رَبِّي كده بين البينين: ماني هومو، ولا أريد ثوب رجولتهم القاسية
جنرال موتورز واشنطن 1994 عباس مبتعث في واشنطن عباس يغود في خيبة الى مكة ارضاء لوالده، سكرية تتدخل ثم نورية بلا فائدة
عيون قطط 1994 بيوجع القلب جد (معاناة عباس بين بدور وبين ابيه) نجاح عباس الساحق ولوحة مشنقة بر الوالدين، عيون القطط هي اضواء الشارع الفوسفورية
ولد كفن: شخصية ولد كفن الانعتاق الصوفي للحب الروحي وحسيةشغفه بتفاصيل سكرية ونضاله للزواج منها كما انتقم من صمدو زوج سكرية في مقطع فوفلة مفلفلة بليفة ميتين 1951 الأنتقام من طليق سكرية صمدو ورمزية اسمه الضدية الدالة على الموت المبكر.
مصطفى السردار:الدكتاتور الجبار المسيطر على العائلة كييرها و صغيرها حتى بعد الموت وكما تقول سكرية :
«فهِّميها أبوكِ الديكتاتور. ما نحن إلا متفرجين لا رَبَطَنا ولا مَنَعَنا». ❝
❞ موته كما في حياته، يخذلهم موتُ رجلٍ جبّارٍ مثله فيحوِّلون موتَه إلى أسطورة، وهناك من يَدَّعي أنهم ولفرط هيبته لم يتجرّأوا على تجريده من ثيابه لتكفينه: ❝
. ❝
نص لسان: خادم عائلة السردارالشخصية الناصعة اخلاقياً،المضطربة جندرياً و المنبهرة برجولة السردار القاسية في الخفاء والتي استطاعت التستر كشخصية معتلة جنسيا من مجتمع
(lgpt) ضمن أعراف المجتمع الشرقي وتقاليده ثم موته المصور حسيا ورمزية نسيانه
وهي من الشخصيات الجدلية التي استخدمتها الكاتبة في اختراق التابوهات المجتمعية ظهرت الصفات النفسية في مقاطع النص التالية :
نص لسان 1949. عرس بدرية وسحر حورية
❞ راقبت القطةُ جسدَ الصبي الحيوي يذوب، انحلَّ في ظلال تتعرق وتخترق في عروق ساق سيده الميت
سالم السردار:الديكتاتور تالاشد ضراوة و الوريث لابيه والمسبب الاكبر لعذاب عباس و نوري
كما ورد في مقطعية النص:
❞ «لا تظن يِعْوَجّ حالكَ وأسكت لكَ، كلمة حُرّ هذه امسحها من رأسك ومن كل الكتب اللي تقراها، لا تظن نفسكَ حُرّ وأنت ولد السردار، اسم السردار قيد على رقبتك لو حاولت تكسره تنكسر رقبتكَ».
سكرية :الشخصية الأنثوية الأكثر جدلا والتي فردت لها الكاتبة مقاطع مطولة ومفصلة لتظهر لنا خصوصية انتمائها المعيب لعائلة السردار كابنة جارية، و تمردها المعجون بالكاز والتفلت من سطوة الموروث الذكوري بالتعري أحيانا او استخدام الشوكة والسكين والسفر الى مصر ومعاشرة الجدة نازك وقراءة الكتب ثم قوة الشكيمة والصبر على الخيبات وتواصلها مع الموتى برمز وردة الريحان ودعمها ومحبتها لعباس طوال حياتها المريرة وكما ورد في مقاطع الرواية
حامية كالكاز الذي صبته عليها امها 1946. قمرية
خلع مكة 1949. قمرية المتفلتة نحو الحرية
بوكس احمر ببطانة خشب نازك وسكرية
طرطورة شوكة وسكينة 1950. تمرد سكرية في استخدام الشوكة والسكين على ابيها
كلام في كلام سكرية تقرا لاخواتها.. وتحدثهن عن مصر
سقطة تتكرر 1950 كتب نازك الى سكري و
❞ مَنْدَليون
مكة، 1994
قلب مستوحش تسقط منه كل التابوهات
فينك ياجدتي وفين هدى شعرواي ❝.
سكرية تحدث نوري عن ثريا قابل التي كانت تحضر
توحة،و فوزي حسون وطاهر كتالوج المحرمة اغانيه
نورية:تغريبة نورية بسبب خوفها من الموت وهروبها نحو امومة نوري وعشقها لرفاهية الحياة الباذخة التي قدمها لها زوجها وقسوةوالدها التي حاصرتها حتى بعد زواجها في نسختها من الحرية خلال رحلتها لبيروت،ثم موتها الرمزي الذي غافل عباس في سفره ليتم بشكل طقسية يوائم جنوح الشخصية الدرامي وتفردها واحاطتها برموز مادية تجسد مراحل حياتها ككائن سردي بين الثبات والتجذر من خلال ظروف اشتياقها لزوجها ومشاعر الأمومة المستلبة و تعلقها بالقلق الوجودي الملاصق لفكرة الموت والرغبة بالشفاء من الماضي واستمرار الحياة وحب نوري الشديد لها واحساسه بامومتها الطافحة وكما ورد في المقطع :
المجنونة مبهرة بالزعفران نورية وتوري يصوران اولاد النيحيرية بازياء غريبة بعد استحمامهما.
افيون واظافر يورانيوم 1994
نوري ونورية يصبغ لها شعرها ويطرد خوفها، ذاهبة لعرس وهو يصورها.
حورية: هي رمز الجمال و السكينة والعدالة والمحبة، هي رمز دلالي تتساقط عنه سيميائيات مميزة، ترتبط بمساحة كيان الشخصية وصراعها مع العنوسة رغم جمالها والوجود المسالم الروحاني والأنوثة المستلبة لحقوقها بسبب تعنت ابيها السردار الذي خذلها يوم عرسها، تجسيد رمزي لشخصية مبهرة تتقدمها مشاعر الخواء والتشظي ويكتمل تغريبها في الفصل الأخير حين تتداخل مع النهايات المفتوحة بالحوار الشبحي بينها وبين عباس لنكتشف انها كانت حاضرة غائبة في موتها كشهيدة في حادثة جهيمان. وكما ورد في النص المقطع:
عباس بموت نوري الرمزي (شنقه)، حورية تكشف الخقيقة ل عباس ❞ اخترعتَه من خوفكَ لأجل يشيل عنك الوجع. كنت تقول إنه خفيف وظريف ويريِّح. والأهم شال عنك غُلب الفتاق. ❝
سكينة: سكينة من اب عراقي وام مكية عمة فيروزة الشربتلية ،الام التي تمثل طاقة الصبر والسلام والتسامح والحب وهي رمز الصمت على التحولات والمعاناة في اغتراب و مكابدة لامرئية.الى ان تموت خجلاً.
دالية: النموذج المقلق للمرأة المعاصرة ابنة المجتمع الاستهلاكي النرجسي والسطحي والفارغ من القيم الحضارية والعمق الايديولوجي. والتي صورتها الكاتبة ببرود عاطفي أنانس خالي من التعاطف الانساني كما ورد في النص :
دخلة بطعم حلاوة قطن 1996
اغتصاب دالية ل نوري وعباس يراقب فجاجة المشهد
داليا تعرض عباس ع طبيب نفسي، الطبيب يستجوب عباس عن نص لسان، ❞ التي يسميها عباس «أمي البيولوجية» بينما سكرية هي أمه الروحية ونورية أمه الموحية الفنية. لكن دالية تنساق في الشكوى لبيقم بأمل ان تنقل شكواها لأبيه: ❝ تفشل دالي
شخصيات الحبكات الثانوية مثل : عاىلة السردار العلماني دالية، مرام، فيصل، فيروزة الشربتلية،ميادة ، خدوج دندش و حبيبتها الخرزية،، عيوشة كشكش، فيروزة شربتلية من جدة، ،ست ابوها، الخياطة ديبة المصرية،بدرية،زكريا،عبد الرزاق،حليمة،❞
براج وبخت 1982 العمات وعباس
3- تحريض اسلوب التلقي بطرح الاسئلة الكبيرة و البحث عن مخرج ناعم من خلال منظور ايديولوجية الكاتبة الخاصة
الحديث عن حادثة جهيمان من خلال ما حدث ل عباس من فكرة الاحلال (الماوراء طبيعية) ىفي جسد صبي صغير يحاول سقيا والدته الماء والتي نكتشف لاحقا انهعباس وان الشهيدة هي امه الثالثة حورية، وفكرة نشوء بذرة الأرهاب السياسي، في تلك المرحلة من سبعينيات القرن الماضي واسقاطاتها السياسية في العالم والوطن العربي كما ورد في احد مقاطع النص:
20نوفمبر جهيمان 1979، 1 محرم، 1400
القفز داخل مفاهيم التابرهات المجتمعية الشرقية والتوغل في كل حالة تعتري كل من ذاق مرارة البحث عن الذات في وجود الآخر، القهر هو اللاجدوى من عقم تحقيق الأحلام ومرارة الواقع يمثل جوهر المأساة والوجود والبحث عن الأنا وانتمائها في المجتمعات المخذولة امام سلطة الديكتتاتور. السؤال الذي يفجِّر كل ما فى طريقه،و ينشر عملية تدمير الذات للشخصية الأساسية كما حدث لعباس على سبيل المثال
التطرق لموضوع الخوف على التراث الأسلامي والعمراني بهدف التوثيق التاريخي والحضاري وذلك بالقاء الضوء على أفكار عباس في بداية الرواية حول ماء زمزم و وتصوير بيته الفاخر والفاره الذي كونت معظم أجزاؤه من رواشين قديمةو ومدقات ابواب اثرية من خلال اعادة تدوير ابنية «الرواق العثماني»، الذي يحدد محيط الحرم منذ القرن السادس عشر بأعمدة يعود بعضها إلى القرن الثامن، وذلك لتوسيع الحرم ليستوعب كمية الحجاج المتزايدة كل عام.وتذكر الكاتبة بحوث مجلة بكة لاخراج بحوث السردار (ربيب الباشا الاسطنبولي) المصورة لعلاقة النقوش بتنفس البيت واضاءته وتشكيله الروحي، ثم التطرق لقدسية ماء زمزم كما ورد في النص :
رمز للعطش لفراق مكة والذي صار من المستحيل ريُّه بعد أن أُغلقتْ للأبد فوهةُ بئر زمزم بصحن الحرم، وصار الماء المعجزة يُضَخُّ بمضخات عبر مواسير يفكر السردار العلماني بالمقال الذي قرأه من أن الماء يتأثر بالضخ، وتتكسر ذرّاته وتعاني صدمات ❝
❞ وتعاني صدمات من المعالجة الصناعية. تنهبه فكرة الماء المقدَّس المصدوم.
لا يضيع المكّيّ لأن زمزم سيفور بقلبه ويرجعه لبيت الله، زمزم المصدوم يفلِّت جذور المكيين أمثاله، تتضخم عيون القطط بالإسفلت، تطارده حتى بوابة القصر القديم في حي النُزهة العريق ❝
❞ وجَرَفَتْه عناوينُ الفيلم خاطفة بلون فوسفوري أخضر: «نورية آلا جارسون ترانسفورميشن»، «حرم الباشا الإسطنبولي/نواة فيلم وثائقي»، «أم كلثوم، ❝
❞ أسطورة مكية»، «شيزوفرينيا / كرامات العائلة»، «عين العقل الله يِبَرِّد قلوبكم شاي بعطر دوش من الروضة»، «كَفَن مزراتي»، «مَرْمَطة موديرن»، «إللي ما يهمَّك وَصِّي عليه زوج أُمّك» تجاهل عباس المشهد بعنوان «الشماغ والغترة: حلول جذرية» لربما يحوي اللحظات الأخيرة ❝
في مجتمع معتل منشطر و ربما البحث عن الخلاص_ فى ثنايا وطن يتصاعد حضاريا بسرعة هائلة صادمة هو تشـييء , و نزع الصفة و الجوهر لإلباس و إحلال المعنى الجديد للحرية الفردية المفقودة في زمن اختلال المعايير وهشاشتها
4- الحكائية تفوز في صلب المتن الروائي
رغم ما قدمته الكاتبة من ثيمات شيقة كسرت التابوهات كسر التابوهات وفلسفتها تزامنيا مع الحقبة التاريخية الزمنية المرصودة فانها استطاعت خلق حضور الانساني في الاثر التاريخي والذاكرة التراثية من خلال الحكاية الشعبية التي ترحل في الازقة على ألسنة النسوة وما يقال في مجالس الرجال و وحتى رمزية دلال العنوان وماهيته واشتقتقه من طفولة عباس التي عانى فيها التنمر وقسوة الاب وحنانا مبالغا فيه من امهاته الروحيات العديدات.او مثل قصة حب حب نورية والاستنابولي وحادثة زيارة فيروزة الشربتلية من جدة واحتفاليات فض البقج بالاقمشة والهدايا،عرس بدرية الذي يحفه الغموض فهي لا تعرف من العريس او العروس ، كما ورد في مقاطع النص:
فاتن حمامة سيندروم جدة 1985 افلام عائلة السدار المصرية
5- السريالية والرمزية في نمذجة النهايات والبدايات للشخصيات ودلالة الاسماء5
الرمزية و السريالية والقوطية ثم الغرائبية
تظهر كل تلك السمات في المتن الروائي من خلال معادلات موضوعية متمايزة ظهرت من خلال أحداث درامية عطفت منحى السرد زمنيا او وجدانيا كما ورد في النص :
موت ولد كفن ذي الدلالة الصوفية السريالية ثم تمثله كثعبان انتقاما اثناء احتضار مصطفى السردار ورمزية غياب نص لسان الذي لن يذكره أحد كماورد في مقطع :
دقة ولبة و زيت زيتون اخره لسعة في الطعم مكة 1984. موت مصطفى السردار الخاكم ال 11 لمكة الغرائبي بحضور شبح ولد كفن، ثم لحاق (نص لسان) به بشكل مأساوي
ولادة عباس العجائبية ثم دلالة الفتاق الرمزية احلال عباس لجسد طفل اخر في حادثة جهيمان لوهم البحث عن الحرية الداخلية طوال حياته ،وبزوغ فكرة روحانيته الميتافيزيقية في بداية العمل الروائي لنكتشف المفاجاة في المقاطع الاخيرة وكما ورد في النص :
❞ صار عباس على يقين من أن عالَم الصُوَر وعالم الموت مفتوح واحدهما على الآخر، وأن الخيال هو من تجليات تلك الدنيا الآخرة، وأنه بالتداخل بتلك الصور يموت مع كل من مات ويرجع للحياة من جديد
❞ كلما سكب من الزمزم انبعث من الأرض بخورٌ فاتر وملأ حواسه بالحنين لشيء لا يعرفه، شوق بعمر البشرية يصحو بزمزم لم يلمح أول خيوط النور على جبل الكعبة، لكنّ أنفه التقط رائحة الفجر، بخور بنفسجي ممزوج بمذاق جبال مكة يتسرّب للحواس ❝
متحف النوري ودلالة خياراته التاريخية بالاضافة الى مشهد موت نورية و سكرية
امام ريحان 1995 تنبؤ سكرية بموتها العجائبي وقدرتها على التواصل مع الموتى
الحضور الغرائبي لنوري
❞ في لمحةٍ اختفى نوري كما تفعل أمه نورية في غيباتها عن طقوس الموت، رصدوه حين ظَهَرَ في جلسة عودٍ بثلوثية الشيخ القُدُس بقلب جِدَّة القديمة كأنّ موتًا لا ينتظر. ❝
نوري يخاطب عباس فكرة روحية جديدة
❞ «يا حبيبي يا عباس أنا روح، صدّقني، هذا اعتقاد قديم للقبائل بأنحاء الأرض، اعتقاد بأنّ الروح يمكن أن تتجسّد في أكثر من جسد في نفس الوقت وفي أكثر من مكان، أنا حاسس، بل ومتيقّن، أن روحي مبعثرة في أكثر من جسد ❝
مثال عن الحبكات الثانوية
سكرية المتمردة تضرب مسمارا جديدا في نعش سالم
ضد الايديولوجية الدينية
❞ تتفشخَر وتضحك عليَّ وتقول هو يؤمر، وإنتَ ناشف مع أولادك، تتبرع بملايين لبناء مسجد، وتقطِّر لهم بالقطارة، تظنّ المساجد هي التي تبني لكم البيوت في الجنة؟». ❝
تدخل نورية لسالم
❞ الإنسان منا شتات حتى يجمعه النور المودعه الرحمن فينا، وأخويا سالم ورث عشق أبونا للظلمة يعمى، وأول ما يقع ظلمه على فلذة كبده، بينما عباس مُلهَم بالنور، أنا لو من السردارية طيّرته يدخِّلنا التاريخ، والله لو قال لي حابّ يروح ❝
إنها رواية صادمة، تغير نظرة القارىء للتاريخ، وتجعلنا امام متعة ذهنية و وجدانية مختلفة لا يمكن إلا الاستمتاع بها.