قراءة نقدية في رواية صلاة القلق الفائزة بجائزة البوكر العربية
صلاة القلق
الحائزة على جائزة البوكر لعام 2025
صلاة القلق الزمكان الفريد والمشوه والكتابة البلبلة
تتعدى صلاة القلق مابعد الحداثة برؤيتها الصادمة الغريبة و بنائها الفني، فاللغة الساحرة و المذهلة والمطواعة والمنحوتة خصيصا لسرد فريد، ومذاق تعدد الأصوات التي سمحت لرواة الحكائية بالتنوع رغم الإيقاع الواحد، والغرائبية المشبعة بالتشويق والارتياب، وصوت المؤلف المستتر في ضمير الشخصية الغائبة المثيرة للشغب، والغرائبية السودواية المتقنة التي تتسرب لزمكان المتن، إن نصا سرديا ارتدى تصنيف الواقعية السحرية، وارتدت شخوصه صفات غيراعتيادية تناول كل واحد منهم واجب دس أوهامه و وساوسه وقلقه وخوفه وأسراره المظلمة لنسج الحكاية، جعل( لنجع المناسي) سطوة المكان المفجوع بالأثر السياسي، المكان الذي حكم عليه أبناؤه بخطايا استسلامهم بلعنة جلد الذات والخوف، فنجع المناسي أكبر من قرية صغيرة تسورها الألغام والخرافات، حين يسقط نيزك ما( سهم الله في عدو الدين) فيحكمها وباء حول سكانها الى ما يشبه السلاحف الصلعاء في قلق و وهم دائمين، وفي عجز وقهر لا مهرب منهما، إنها نمذجة خاصة تتعدى هزائم الأوطان وتفكيك ماهية رمز العدو وتجريده، إنها الهزيمة النفسية الساحقة لشعوب مغيبة تتشبث بالحلم لنصر لن يتحقق قريباً، وتنشب قلوبها في أمل الحياة التي لا تحدث، فيطاردها وهم الفكرة القاتل بعودة الشهداء والأبرياء الغائبين، والنجاة من سطوة رمز الدكتاتور الذي لا يموت.إنها الكتابة الجديدة المبتكرة، كتابة البلبلة المثيرة للشك ولسوء الفهم، تبدأ بالعنوان المثير، وبعنونة مختلفة عن السائد لكل مقطع على حدة بأسماء (الجلسات)، تسبقها أغاني عبد الحليم حافظ الوطنية كغاية في الرفض لواقع الهزيمة القديمة، وإهداءً عميقا يلخص موضوعة السرد، ومحاكاة ساخرة للواقع من قصاصة في جريدة لإثارة المزيد من الشك الساخر.
فهل تعمد محمد سمير ندا في سرديته أن يلخص فقه الهزيمة متمثلا بالنكسة وظروفها في سرد جاذب مشوق؟! وهل تعمد أن يثير اللغط حول شخصية الرئيس المصري الر احل جمال عبد الناصر الجدلية؟! أم أنه حاول استنطاقا صامتاً و لذيذاً، رمزي السطوة، لقارىء مغيب مثل شخوص الرواية، متشظ بين انتماءاته و منطقه العقلي، وبين وعي جمعي وجد نفسه فيه وسط شعارات تتناسل، معلق بين واقع التشرذم بعد النكسة و بين واقع (نجع المناسي) المحاط بالريبة، والذي اتكأ عليه المؤلف كماض أراد به التحدث عن (الآن)؟! وهل سينجو قارىء النص من قلق الشخوص والمروي عنهم، أم أنه سيعود لاستهجان وعي جمعي تعود خلق الأصنام وتبجيلها مضحيا بقداسة الفرد المهشم وجوهر حياته لبناء الأمة التي لا ترتوي من دماء أبنائها، حتى حين يغدو (سهم الله ليس عدوا للدين)؟!
الزمكان المؤثث لتوظيف الموضوعة
ليس محمد ندا أول من خلق مجتمعا مصغرا خاصا بزمان محدد ومكان خاص غرضيا وقصديا، فقد سبقه له نجيب محفوظ في رواية (زقاق المدق) في التحدث عن مجتمع مصر بعد الحرب العالمية الثانية في فساده وترديه من خلال مجتمع الحارة النموذج وشخصيتي حميدة و مصطفى اللتين ستسقطان بسقوط المجتمع، وسبقه أيضا واسيني الأعرج في رواية( البيت الأندلسي)، حين تحدث عن هجرة المورسكيين من الأندلس، لوهران مستحضرا تاريخ أجداده الأمويين، في بيت مثّل مجتمعا وليدا يقتات الماضي، وأما علاء الأسواني فقد ابتكر مجتمع (عمارة يعقوبيان) الصادم ليتحدث عن تغيرات المجتمع المصري طبقيا بعد ثورة الضباط الأحرار وقرار التأميم في 1952، بينما أبدع غسان كنفاني في روايته الشهيرة (رجال تحت الشمس)، التي يمثل افرادها مجتمعا مصغرا ضيقا من أسعد وأبو قيس و مروان باحثين عن الهروب نحو دولة ثرية أخرى، هاربين من لعنة الاحتلال في خزان شاحنة ابو الخيزران الاستغلالي الوصولي، ليودي بذاته نحو الهلاك والتلاشي خوفا من قرع جدار الخزان.
وفي المنظور الجماهيري المرئي (التلفزيوني) ، ظهر مسلسل (قداس منتصف الليل) تأليف وإخراج مايك فلاناغان، ليتحدث عن مجتمع جزيرة مغلقة يسكنها مسلم واحد وابنه، يعود إليها راهب ذو شخصية ساحرة، كان قد عاد للتو من حجه الديني الى القدس، ليبشر بصوت كنسي جديد فتحدث المعجزات بقدومه، لكن الراهب يصاب بلعنة في أرض الميعاد، وينقل للجميع وباء التحول لمصاصي دماء فقدوا جوهرهم بسبب لعنة الإيمان ذاته، لينتهي باحتراق المكان كنجع المناسي أيضا، و ٱما المسلسل الشهير (من..) للمؤلف جون غريفن، فقد تحدث عن مجتمع مغيب زماكانيا لايوجد على الخرائط، تحكمه سلطة الخوف من مخلوقات مريعة تتغذى على خوف السكان العاجزين عن الهروب،فتزداد ضراوة وقسوة.
لكن الجديد الذي يقدمه الكاتب محمد سمير ندا مقارنة بما سبق هو لغة المفارقة النقديةالتي يقدمها المتن رغم أنه ينمذج مجتمعا مصغرا أيضا ليتحدث عن( الآن) المحشو بالخيبات،إنها الأطروحة المختلفة عما عهده القارىء العربي، إنها الشجاعة المطلقة في طرح الأحداث السياسية الحقيقية برموزها الكبيرة كما هي بلا مواربة، ونسج هذا العالم الموازي حولها، والبراعة في تصوير الطاغية المتنفع من استمرار الحرب والمتدثر بعباءة الدين والذي يظهر في شخصية( خليل الخوجة)، والذي قد يغير آيات من القرآن الكريم كي يسطو على عقول الريفين الأميين، وقد يوقف الراديو على إذاعة القرآن الكريم وحده ليعتم على نبأ النكسة، فيبدل هزيمة 1967الى نصر عظيم يستثمر فيه واقعا بديلا يمتص دماء أهل النجع وآمالهم ومنتوجاتهم ويحتكر التمثيل الاقتصادي للمكان رغبة في القمع والمراوغة والطغيان واستثمار الحرب، ولا يخلو من قدرته على الإجرام والتصفية النوعية لأعدائه كذلك. إنها الجرأة في كشف عورة مجتمعاتنا الأمية التي تستتر بأيديولوجية الدين لتبرير الحروب، والقتل الممنهج، وبيع الأوهام الكاذبة، والتي يأسرها وهم النصر على تقبل واقع الهزيمة، والتي ستتقبل استلام جريدة (صوت الحرب) الكاذبة التي لا يقرأها أحد، لاستمرار التنفع من ضريبة (المجهود الحربي). إنها قرية نجع المناسي التي تتحدث بلغة الوطن الأعم والتي يفهمها الجميع ولا يجرؤ أحد على تداولها.
الدلالة السياسية المربكة بين شخصيتي نوح النحال وزكريا النساج الثائرتين
يتفرد (نوح النحال)، الهارب من المعتقل لرأيه المحايد نحو نجع المناسي، فهوالمثقف المكسور والثائر المكلوم بفقدان ابنه الوحيد وزوجته هنادي بتقديم الحقيقة الموجعة للقارىء، لانصر بعد هزيمة الأيام الستة، وأما ماقدمه خليل الخوجة من فكرة مناورة سياسية عظيمة ماهو الا بداية الكذب على شعب بأسره، سيمتد بلا نهاية متغذيا على جهل العوام الأميين بالواقع، كما ورد في النص على لسان النحال:
وهكذا تسربت السنون على ضفاف حكايات الخوجة..
شب عن طوق الطفولة جيل كامل يحفظ الآيات ولايجيد قراءتها، كتبت بيدي روزنامة علقتها في المسجد، كنت حريصا على توثيق الزمن ومنع تسربه في العقول قدرما استطعت.
رغم أن (نوح النحال) يمثل صوت المثقف الوحيد في النجع، فإنه لم يستطع توعية شعب النجع المتخاذل، الغارق في كذبة النصر المحقق، والمقاد بغريزة القطيع تحت لواء الشيخ أيوب المتواطئ في تزييف الخطاب الديني إرضاء للسلطة، إنهم مصابون بالقهر والعجز كما ُوصف زكريا النساج بذلك أيضا، وما استطاع إلا بالفعل الثوري هدم مركزية السلطة المستترة بالدين، حين سيهاجم مع من التف حوله جموع المصلين المتحفزين ل صلاة القلق التي ستنقذ النجع من كرب حرب ينتظرونها ان تحيق بهم وهم لا يعلمون أنها انتهت منذ زمن طويل .
بينما يكشف لنا زكريا النساج من كواليس حياته وقبيل موته، وتفاصيل تضحيته بأبنائه الثلاثة الباحثين عن الحلم والحياة،في سبيل الوطن، ويكشف لنا عن اتضاح إدراكه ووعيه بحجم أزمة الوطن المستباح رغم جذوره الفلسطينية الضاربة في العمق فهو(زكريا موسى الريماوي)، إنه صوت فلسطيني خبيىء في الوعي الثقافي العربي، إنه الروح المتمردة الجميلة العصية على الكسر، إنه صوت مختلف للمقاومة عما عهدناه لا يشبه صوت المرحلة السابقة بل يمثل صوت الآن المختَلف عليه، إنه صوت يدعو للمقاومة بالحياة والعمل و بناء الإنسان لا بالسلاح والحرب واستثمار رأسمالية المجهود الحربي والتضحية بشباب الأمة، بل يدعو لانتصار الحياة على الموت من خلال منسوجاته الجميلة الطافحة بالقهر والفقد والعطش، والتي رفض بيعها لرمز السلطة المتنفعة مرمزة بال(الخوجة) مناوئا استمرار الحرب، رافضا المشاركة بدعمها، ودفع حياته ثمنا لمواقفه الصامدة و شجاعته في قراءة الحقيقة و لعل حوارياته التخيلية مع تمثال الزعيم (جمال عبد الناصر) وصوره وشعاراته وملصقات أقواله في الصفحات من( 265، 267) ماهي إلارؤية نهضوية جدلية طازجة، و فلسفة سياسية جديدة معاصرة بدأت تطفو على وعي القارىء المشبع بأجواء الشك و القلق في النجع، ضد فن صناعة الصنم الدكتاتوري(مسخوط الزعيم) وتقديسه وإجلاله وإضفاء صفات خرافية خارقة عليه، تبدأ بالخصوبةالذكورية التي تشبع رغبات نساء النجع و تنتهي بالقدسية المطلقة الى حيث ينتصب التمثال بجبروت في( البقعة السحرية) حيث يطوف أهل النجع، ومغادرته لمكانه بعيد المغيب ليتفقد أحوال الرعية، ومنحه صك غفران أبدي يقصيه عن المساءلة، في قرارات تبدو في ظاهرها عروبية وطنية جماهيرية بينما هي في العمق مجرد شعارات غوغائية تلمع صورة الدكتاتور وتودي بالوطن للهاوية لمنافع السلطة البرجوازية الاقتصادية مثلما أطلق الكاتب على الخوجة لقب كعبة النجع.
لكن المؤلف يبرىء اسم الرئيس الراحل سياقيا بشكل جزئي على لسان حكيم في نهاية الرواية، فالخوجة الذي يمثل السلطة الصغرى هو المسؤول بشكل مباشر عن الخراب الأهم(هناك من يريد لهذه الحرب ألا تنتهي ص270) و ملامح التمثال المزعوم الذي أحضره بسهولة للنجع وزرعه فوق جثمان زوجته القتيلة تشبه ملامح (عبد المنعم رياض) أو ل (محمد نجيب) وهو اقصر طولا من الزعيم في الحقيقة، ومن ناحية ثانية، فإنه يجرمه أولا على لسان نوح النحال و زكريا النساج، زكريا بن موسى الريماوي الذي ناضل ابوه جنبا لجنب مع المجاهد عبد القادر الحسيني، ضدعصابات الهاجاناه في معركة القسطل والذي شهد النكبة، ليكتشف القارىء على لسان حكيم الأخرس أن الرئيس توفي بعد ثلاثة أعوام من النكسة، بينما بقي النجع في تغييبه لعشر سنوات إضافية، مسيسا بعصا الخوجة ومخططاته، القائمة على تسخير الأيديولوجية الدينية وتوظيفها في دعم بروباغاندا معلبة تروج للنصر الآتي لا محالة، رغم أن سياسة الحكومة الناصرية بالنسبة للمتن كانت علمانية، وراديكالية ضد اليمين المتمثل بالإخوان من جهة و ضد اليسار المتمثل بالشيوعين من جهة أخرى كما حدث في استجواب (النحال) .إلّا أنّها لم تنج من عباءة الدكتاتورية التقليدية القائمة على تصفية المنافسين، ورغم أنّ زكريا النساج لا يغفر لأحد مصيبة الهزيمة، بل يورط العروبة بأسرها بلا استثناء، كما ورط عبد القادر الحسيني جامعة الدول العربية آنذاك، ويراها خطأ كارثيا لاعودة من عواقبه، فإنه اعتبر الرئيس الراحل المسؤول الأكبر عن هزيمة التاريخ، التي انتظر جده عشرين عاما للخلاص منها وهو لم يعد يستطيع أن ينتظر عودة أبنائه الذين لا خلاص لهم، وما اسم الزعيم الراحل جمال عبد الناصر إلّ نمذجة موجعة ارتبطت بأكبر هزائم الأمة العربية التي ما زالت فلسطين تدفع ثمنها حتى الآن.
كما ورد في النص:
الأمر برمته عداء صريح لكل ما ينفثه وجهه من جيوش ومعارك وشعارات لا ينتج عنها سوى تغيب الصبية، وتجميد الزمن عبر إطالة زمن المعارك.
تعدد الرواة المقصود (البولوفونية الكاذبة)
لا شيء مجاني عند محمد سمير ندا، فكل مهارة سردية لها ثمن مدروس عند مجتمع التلقي، إنها قصدية فنية مخطط لها، فمن يمتلك صوت النطق بنسخته من الحقيقة هو من يكون قد استحق إنسانيته بأخطائه وضعفه وانكساراته وأحزانه وخوفه فنال حيز بقائه في المتن ليسمع صوته، و ليقص حكاية سواه وليبث لواعجه ومنفى بواطنه مثل شخصيات العمل ك:
شواهي الغجرية، صاحبة الحانة والفاتنة معشوقة الرجال رمز الأرض الأصيلة التي تنتظر فارسها، والخالة وداد القابلة المتهمة بقتل الأجنة المشوهة، و محروس الدباغ ذو الصوت الجميل المغتصب لطفلته، وأحلامه الرمزية،ومن ثمة والشيخ جعفر الولي الذي مات مرتين و لم يكن وليا، وعاكف الكلاف الذي تعلق قلبه بداوبه أكثرمن عائلته، و محجوب النجار الذي غاب عقله خوفا على ابن لم يولد، فطفق يحفر نفقا للهرب من صندوق طفولته المظلم ومن النجع، و زكريا النساج رمز العربي الفلسطيني القربان، بينما تعمّد المؤلف أن يخلق لدور الراوي العليم مهمة تلاوة الحكائية عن الشيخ أيوب بن جعفر الولي الذي لم ينل تلك الحظوة، بل حكى الراوي العليم حكايته بقصد بتر وجوده، وكشف لنا عالمه المظلم في اشتهاء شواهي والتردد على حانتها، وأظهر لنا تورطه الأخلاقي في مساعدة السلطة المتنفعة اقتصاديا من استمرار الحرب (البرجوازية المستحدثة)، من خلال أنّها أيديولوجية الدين التي تفرّغها طبقات السلطة الحاكمة فعليا من قدسيتها فتستحق الاحتقار والتهميش رغم ضعفها وانكسارها، فلا تدرك فرصة البوح عن آلامها وإخفاقاتها وفقدها بل أمعن في شرح تواطئها وهزيمتها الداخلية، ففي طقسية صلاة القلق لا يفكر الشيخ أيوب إلا بحبيبته شواهي كما ورد في السرد تحت عناوين
(سهم الله في عدو الدين)
-(سهم الله لم يصب عدو الدين)
- مناسك صلاة القلق
، بينما لم ينل (خليل الخوجة رمز السلطة البرجوازية الحاكمة المستغلة) إلّا تاريخًا مشبوها مشكوكا بأمره على لسان الراوي العليم، وشخصية مكروهة مكونة من شظايا غير متطابقة من حكايات الآخرين، وكأنّها عمل فني من أعمال( الجروتيسك) المضخمة للقبح، حتى يكشف لنا ابنه حكيم عوار هذه الظلمة المحيطة بشخصية الخوجة ويفسر لنا إجرامها، وغموضها وبؤسها واستغلالها لكلّ شيء لاسم الزعيم في نسج بروباغندا ملفقة تصدّر رأيا عامًا ومعلبًا، غير عابئة بخيانتها الكبيرة للوطن، حتى قبيل مناسك صلاة القلق التي ستفرج عن كرب النجع، فقد تفاقم كذبه حين زفّ خبر زيارة الرئيس جمال عبد الناصر(الراحل) الشعبية للكفور والنجوع مرورًا بنجع المناسي للشيخ أيوب الذي اختار السذاجة على المنطق وتجاهل ذهانه المتصل بظلال الجنود المذبوحة على شرف الحرب، وطفق يحلم بالتغيير المزيف حتى اللحظة الأخيرة. وأمّا في ما ردد تحت عنوان (الثورة تأكل الثوار. ) فقد تعمد الراوي العليم تصدير فكرة الانتحار الجماعي لأهل النجع، وإعدامهم (لتمثال الزعيم) رمز السلطة الدكتاتورية القاهرة وروح الغضب التي تطهّر المكان بالموت والخراب الذي لن يستطيع الشيخ أيوب أن يفعل تجاهه شيئًا.
بينما أبدع المؤلف بمنح صك الغفران والبراءة لكل شخصيات العمل التي تولّت دور الراوي المتكلم،إلا الشر الأعظم والمطلق، (خليل الخوجة) الذي بقي مارقًا في حكايات أبطال النجع بلا وصاية.
الطقسية البارعة في الواقعية السحرية والرموز
لابد لنجع المناسي هذا العالم المتخلق من الارتباك والشك والبلبلة أن يحمل طقسية عميقة تكمل إطار الواقعية السحرية لسردية العمل، إنه الترقب الذي يثير شهية القارىء للفهم ولسوء الفهم كذلك، فتعددت الرموز وتشابكت الرؤى وتفرد كلّ متلق بنسج وهمه الخاص عن الزمكان المشوش بالطلاسم و أنصاف الحقائق، وهذا التناغم بين الواقع والخيال، وبين الماضي والحاضر.
فمسخوط الزعيم المشطور، رمز الدكتاتورية الأحادية المتفردة بالقرار،إنّه الوهم المستعار لتمكين سلطة المال من بث الخرافة و الكذب واحتكار الحقيقة وتشويهها، ورغم أن نبت على جثمان أم حكيم التي أرادت فضح المستور، ورغم أنّه تمثال لا يشبه من صنع على اسمه، إلّا أنّه سيطر على عقول العامة بتسخير الخرافة، حتى وقد انشطر فبان ضعفه وهشاشته، إن القطعان السائبة المغيّبة بجهلها ومعاناتها الفردية هي في النهاية من تصدق الوهم وتصنع الدكتاتور، تتشبث بفكرة الأمل التي لن تجلب إلا الخراب كصندوق بندورا رمز الشر والدمار.
وكما ورد في النص:
(فشاع بينهم انه يدور في القرية عقب العشاء، يطارد الأطفال السهارى، ويضاجع الفلاحات اللاتي تأخرن في حقولهن). (ص82)
وكما ورد أيضًا على لسان النحال:
(آمن الناس بقداسة الصنم، حتى اقتنع الصنم بذاته بقداسته، فشرع يتجول بين رعيته ويعيث في ديارهم رعبا ومجونا ص 278).
(ما أكثر ما مرّ علينا من زعماء، نحن شعوب ينقصها كل شيء إلّا سير الزعماء الأسطورية).( ص327).
إن كوارث النجع من ألغام افتراضية ونيزك دستوبي وغياب المعجزات واختفاء الخلق ليس شيئًا يذكر بالمقارنة مع دلالة انتهاك السلطة السياسية لمعايير الأخلاق، و أعراف المجتمع، وتشويه الموروث النقي لمسح ذاكرة جيل مهزوز وموتور سطت عليه الخرافات، فلا وصل للحقيقة ولاعاشها.
وكما ورد في النص( ص٥٧) على لسان شخصية النحال الرمزية الثورية:
(اعتاد الناس أن يرددوا الحكايات عن كرامات الرجل المخبول، حتى أحاطوه برداء الوليّ المقرب من الخالق، كدت أتبسم وأنا أسترجع الخرافات وأفنّد أقاويل لم يشهدها أغلب متداوليها).
ضخ المؤلف أنساقا ثقافية عديدة في المتن محاولا قمع الوهم البطرياركي السلطوي الفئوي المتجذر في مجتمعاتنا باعتبارها مفاهيم عامة متوارثة، فقدّم الرّفض اللاذع للأبوية الثقافية المتجذرة في الوعي العام من خلال شخصيتين غير مألوفتين هما شخصيتا الرحالة النصراني و ميشيل السماك اليهودي وكما ورد في النص:
السيل والرحالة النصراني ص89 وص 107
ورد ذكر السيل في المتن مرات عديدة على لسان الدباغ و على لسان وداد، كان هدفها استحضار تاريخ النجع المشرق، الطوفان الذي أجّج المكان خصوبة وضرب للحياة جذورًا و عمقا وحضارة قبل عشرات السنين وكما ورد في النص على لسان الشيخ أيوب:
(ألا لعنة الله على الرحالة النصراني الذي شق الترعة فجلب الهلاك إلى أراضينا، أكرمنا ُنزله وأطعمناه وعلفنا دابته. لكنه أبى أن يرحل إلا وقد بذر في أرضنا لعنة لا تزول.)
لكن الرمزية التي خص بها المؤلف نسخة الخرافة في نجع المناسي أراد بها قناة السويس التي أسسها فردناند دي ليسبس الفرنسي بعقد لتسعة وتسعين عامًا، ستبدأ فيها حرب التأميم قبل عشر سنوات من نهاية العقد الاستثماري، كخراب يعيد النجع لجفافه القاحل، وكما ورد في النص (ص 109 ):
(قال الناس أنّ القديس لو لم يشق الترعة، ما جاء الفيضان وأهلك النيّام، وأصرّ بعضهم على عدم جواز نزع القداسة عن العابر الطيب الذكر، وقد خضّرت الترعة الصحراء ونمت على ضفافها الغيطان، ومهما يكن من أمر، فقد منح أحفادهم من بعدهم صكوك المعجزة للزعيم عقب بناء السد في أسوان، فأضحى من شيّد الحجر أكثر قداسة ممن شق الأرض وفجّر الينابيع).
إنّ التناقض الأسطوري بين الحقائق والواقع وشرعية الحرب و بين المطالبة بالحق هو جزء من وعي الشعوب المغيبة المنقادة خلف سلطة الوهم.
رمزية ميشيل السماك اليهودي
رغم أن (محمد سمير ندا) حدّد ملامح العدو الإسرائيلي صراحة في عمله الروائي ب(جنود اليهود) إلا أنه صاغ شخصية العم ميشيل الفريدة، بشكل إنساني محايد رافضًا النّسق الثقافي العام الذي يجرّم اليهود جميعا، فميشيل الرجل الساحر بأغانيه وعلاقته العميقة بالبحر، رمز التحرر والمغامرة والحكائية التخيلية المشبعة بالبهجة الطفولية، وحتى نهايته التراجيدية الغامضة شكّلت منعطفًا استثنائيا، لدى محجوب النجار الذي سيحمل على عاتقه حزن الروح الحبيسة وحزن الذات المتحررة من المحاكمة العامة لليهود كأتباعٍ لدين التصقت بهم أكبر تهمة عدائية لحركة عنصرية، نازية واستعمارية، وثّقها التاريخ المعاصر وعرفت بالصهيونية.
وأما الصرخة الشاهقة في وجه رموز الأبوية ،فتظهر على شكل رفض صارم وقاس لكل دلالاتها وإسقاطاتها، فمقصلة المؤلف تطال الوصاية الأخلاقية الأبوية المنافقة الرافضة لشواهي الجميلة من معظم كبار رجال النجع والعاشقين لها، والمنسلين لحانتها في جنح الظلام لشرب خمرها والتمتع برقصها وأنوثتها وجمالها بمن فيهم الشيخ أيوب. بينما تتمثل برجوازية الخوجة القاتل المستغل الذي لبس دور الوصي على نجع بأكمله لمصالحه الخاصة، ودوغمائية الشيخ أيوب الذي يتلهف لدور الولي ولا يستحقه و ويتعلق قلبه بحرقة لثوب أبيه الملطخ بدم الثور و فلا يطاله، و دكتاتورية الزعيم الذي بدأ حربا خاسرة بقرار فردي فمكث في العقول كصنم ُسخر ليعبد بعد موته وهو لا حول ولا قوة له ليس كمثل مساخيط الفراعنة التي تكتفي بصب لعناتها على من تجرأ على مراقدهم.
إنّ الصراع الأبدي بين رموز السلطة والدين والشعب، هو ما تتمحور حوله هذه السردية الخالدة، اذ أن/ إنّ: الدين والسلطة هما وجهان لعملة واحدة تنتصر دائما، والشعب المهزوم هو العملة الخاسرة المتداولة في ملاحم الحروب التي تخلد الرموز الكبيرة وتغتسل بدماء الأبرياء.
رمزية أحلام محروس الدباغ ص87
يشكل صوت محروس الدباغ صوت العامة المغيّب، المأخوذ بالحكائية الشفاهية المتداولة، فكما أنّه يغني مواويلَ عن بطولة أدهم الشرقاوي الذي حارب البريطانيين وبقي رمزاً شعبياً مصرياً عن النضال ضدّ المستعمر إلّا أنّه ينقاد لسطوة سلطة خليل الخوجة فيدافع عنه، ويخضع لأيديولوجية الشيخ جعفر الدينية في عقله الباطن، فيصف كوابيسه القاتمة بالرؤيا، فيرى في فوضى هلاوسه و خوفه من تمثال الزعيم وخيال المآتة الملتصقين جوهريا،حلما غريبا يلتبس الموروث الديني المتأصل في أعماقه فيه، على الحقيقة، فيرى الشيخ جعفر وهو يتلو قصيدة البردة للبوصيري ويطهر أطفال النجع بالبصاق في أفواههم، إن السرد الرمزي لأحلام الدباغ تشكل عبورا أخلاقياً لمن يستحق النجاة من أهوال ما يحدث، وهم شواهي و وداد و النحال، وأما بصاق الولي في أفواه الجيل الجديد فهو رمز لإخفاء الحقيقة و دس الباطل في عقولهم بمنح المغفرة بالأكاذيب، إن العقل اللاواعي لعامة أهل النجع يدرك الحقيقة ولا يجرؤ على الإحاطة بها.
رمزية أغاني عبد الحليم حافظ و موت الحلم
يبدأ كل مقطع جديد؛ كلّ (جلسة) بعنونة فريدة تتصدر أغاني عبد الحليم حافظ التي ارتبطت بشخصية ابن الخوجة، حكيم الأخرس الرومانسي الحالم الذي قمع في ذاته جور ما حل به وبأمه، وكتم حب شواهي في عروقه فلجأ لأغاني العندليب الأسمر تشافيا وتناسيا، ورغم قسوة ما ألّم به وقسوة ما اختار أن يقوم به من مسؤولية عظيمة من كشف أسرار أهل النجع المكروبين بذنوبهم وجبنهم وجهلهم وافتتانهم بتمثال الزعيم المشطور، لم عبد الحليم حافظ؟! لم ألحان محمد الموجي و ألحان بليغ حمدي وكلمات عبد الفتاح مصطفى وكلمات صلاح جاهين والأبنودي و سواهم؟ لم لعب (محمد سمير ندا) على هذا العمق الوجداني المتصل بوعي جمعي مشحون بالتأزم العاطفي الأعمى للأغنية الوطنية؟ إنّه الصوت الحالم الرومانسي الذي تغنى بالحب والوطن كذلك، أأصبحت مقاربات الفن الإنساني مسافة تسبق التحكم بالعقول؟ وجر النفوس؟ نحو قبول شعبي مهدت له أغاني الوطن المشبعة بشحذ الهمم و التجهز المعنوي لتمجيد الحرب وتعزيز مفاهيم الانتماء؟!
إنها الهوية التسويقية لروح الوطن التي تدعي الاحتواء لأبنائها، وهل عبد الحليم حافظ هو المتهم البريء الوحيد؟! أم تشاركه المأزق أم كلثوم، ومحمد منير، والسيد درويش، وفيروز؟! وكأن الموسيقى كسواها من كلمات القصائد ليست أكثر من سلاح خطير صمّم لقلوب العوام و أرواحهم، بغرض سلب هوية الانتماء وتسويق مشروع متنام للحروب المتناسلة التي لا يذكيها إلا المزيد من دماء الضحايا. حين يموت عبد الحليم حافظ، تبدأ أحداث الحكايات في نجع المناسي، وتتوالد حكايات المساكين السجناء في أرواح تتوق للحياة، لكن حكيم لن يسمح للحقيقة بالظهور إلا على آخر جدار سيبوح باليقظة السابقة للتطهر، إنَّ رمز الغنائية الوطنية والحب وجمال الحياة. قد مات تماما، مثل ما مات الزعيم، رمز الدكتاتورية الممجدة للحرب، وما حياة نجع المناسي بألغامها وأسرارها ومعاناة أهلها البسطاء المساكين إلا كذبة كبيرة يرسمها المتنفعون الفاسدون.
سيبقى صوت المولف(محمد سمير ندا) مؤثرًا، عاليا ولا يخلو من الشجن الجميل في لغة آسرة و مهيبة و مذهلة لا تخلو من التأويل، وقد أشرقت بتدفق الحكائية لتأسر قارئها سواء كان مع التيار أم ضده.
لعلنا نرتدي جلود أهل النجع فنتفق مع سياسة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر العروبية الخالدة فنطوف حول تمثاله أو قد نختلف معه سياسيًا فنشطره، ونغرقه في الترعة، ونصنّف سياسته تحت ملصق الهزيمة فنهزم أنفسنا، و قد نعترف بأخلاقه البعيدة عن الفساد ونبله حين اعترف بحمل كارثة النكسة على عاتقه، فتخلّى عن منصبه، وقد نصفه بالدكتاتور المستقل الذي تفرّد بصنع القرار بلا نقاش على أرض الواقع، فأودى بحلم الأمة في استعادة فلسطين إلى الأبد وأردى الاقتصاد المصري بموت لا بعث منه، لكننا مثل أهل النجع، نجرّم النكبة ونبكي على ضياع فلسطين كما فعل أبو زكريا الريماوي حين قاتل مع عبد القادر الحسيني قبيل استشهاده على يد عصابات الهاجانا، ونبكي دماء شهدائنا الأبرار منذ النكسة حتى الآن، وقد نرمم ذواتنا بالأمل فنحفر الأنفاق لنهرب من أجل الحياة مثل محروس النجار، وقد نغني ونهلل لأصنام السلطة والدين والحرب، مثل محجوب الدباغ حتى لو لم ندرك زمن انتهاء صلاحيتها، وقد نستعير دم زكريا النساج وحنجرة نوح النحال لنقاوم واقعا مريرا مهزوما مازال يجترنا حتى الآن، لكننا نتفق جميعا على عظمة سرد روائي خلق مجتمعا كوزموبلاستيكيا جديدا تطهر فيه الحكيم الأخرس بالقلم، وتداوى فيه بحب شواهي رمز العروبة الخصبة الناجية من الوباء بالتحرر من سلطة أعداء الداخل، الخونة المجرمين الحقيقين، الذين ينخرون الحلم بالكذب والوهم، والتنفع الشخصي القائم على دماء الشهداء، تاركا إيانا أمام سؤال كبير من حكيم للشيخ أيوب في الصفحة 215
(متى تحين ساعة الرحمة؟ وأنى يحاسب المفسدون؟)
رواية خلدها التاريخ شئنا أم أبينا.
# النقد رؤية محلقة
# الكنانة